الشيخ محمد رشيد رضا
350
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) فقد قلنا هنالك - بعد ايراد عدة آيات في هذا المعنى بمثل هذا التعبير ، وبيان كونه يدل على وحدة الأمة وتكافلها - ما نصه : بل علمنا القرآن ان جناية الانسان على غيره تعد جناية على البشر كلهم ، لا على المتصلين معه برابطة الأمة الدينية أو الجنسية أو السياسية فقط بقوله عز وجل « مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ » الآية وروي أن وجه التشبيه هو القصاص ، فمن قتل نفسا واحدة كمن قتل كل الناس في كونه يقتل قصاصا بالواحدة وبالكثير ، إذ لا عقوبة فوق القتل . رواه ابن جرير عن ابن زيد عن أبيه . ولا يظهر مثل هذا المعنى في الإحياء . والمروي عن ابن زيد فيه أن ولي الدم إذا عفا عن القاتل كان له من الاجر مثل اجر من أحيا الناس جميعا . وقيل مثل هذا في القتل ، وهو ان اثم قتل النفس الواحدة مثل اثم قتل جميع الناس وجزاؤهما واحد . وقد بين في سورة النساء ( ص 339 ج 5 ) وعن ابن عباس ان المراد بالنفس في الموضعين نفس النبي أو الإمام العادل ، وإحياؤها نصره وشد عضده . وهو صحيح المعنى لان قتل المصلح أو انقاذه ونصره يؤثر في الأمة كلها . ولكن اللفظ يأباه وما أراه يصح عن ابن عباس . وروي عنه غيره ، ومنه ان من حرم قتل نفس بدون حق حيي الناس جميعا منه . وقيل إن المعنى ان من قتل نفسا كان قتلها كقتل الناس جميعا عند المقتول وبالنسبة اليه ، ومن انقذها من القتل كان عند المنقذ كإحياء الناس جميعا . روى هذه الأقوال ابن جرير واختار منها ان وجه التشبيه في القتل هو عقاب الآخرة ، وفي الإحياء انه سلامة الناس ممن يحرّم على نفسه قتل النفس التي حرمها اللّه . وما قلناه أولا أوضح واجمع للمعاني . ومن الغرائب ان هذه الحكمة العالية من جملة ما نسي بنو إسرائيل من أحكام دينهم ، إذ فقدت التوراة ثم كتبوا ما بقي في حفظهم من أحكامها . فاما قصة ابني آدم فهي في الفصل الرابع من سفر التكوين ، وملخصها ان قايين لما قدم قربانا للرب من ثمرات الأرض ، وقدم هابيل قربانا من أبكار غنمه ، ونظر الرب إلى هابيل وقربانه دون أخيه ، اغتاظ قايين وقتل هابيل ، فسأله الرب عنه : اين هو ؟ فأجاب : لا أعلم وهل أنا حارس لأخي ؟ فلعنه الرب ؟ وطرده عن وجه الأرض ! فندم واسترحم الرب وخاف ان يقتله كل من وجده ! ! ( 15 - فقال له الرب